2004

2004

﴿ صحيفة المستقبل ﴾

﴿ ” لم أعد أبكي” لزينب حفني ” ﴾
﴿ يحل للرجال ما لا يحل للمرأة ﴾

الاثنين 3 مايو 2004 م
ثقافة وفنون
ياسين رفاعية

ورد في جزء من إعجابها بالشعراء أن بينهم عمر بن ابي ريشة. ولعلها تقصد عمر أبو ريشة.
“لم أعد أبكي” رواية كاتبتها من المملكة العربية السعودية اسمها زينب حفني، وأحداث الرواية تدور كلها فوق الأرض السعودية هذا ما أثار دهشتي واستغرابي. رواية فضائحية بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى وجريئة إلى حد كان من الصعب على أي كاتب عربي رجل أن يتجرأ في كتابة من هذا النوع. على كل حال، هذا لا يعني أبداً أن “لم أعد أبكي” رواية جيدة أو أنها تدخل هذا المدخل الصعب من باب الفن، ثلاث قصص في قصة واحدة، نشوى، غادة، صالح السعدي، لكل من هؤلاء قصته وأفكاره وحياته، وكلهم يدخلون في متاهة الجنس ولا يعرفون خلاصاً، في جو، يخيل للمرء أن الأحداث تدور في السويد أو الدنمارك، غادة تُخدش طفولتها على يد خادم البيت الذي جاء طفلاً من اليمن وعمل عند والدها، ثم لأمانته استقدمه إلى البيت يخدم أهل البيت، ولكن أول ما فعله عندما أصبح شاباً، ان امتدت يده إلى تحت ملابس غادة وعبث بها بصورة، جعلها تشعر أنها انتقلت إلى عالم آخر وهي لم تبلغ بعد الثالثة عشرة. استطابت ما كان يفعله، فصارت تذهب إليه في غفلة من أمها المطلقة من أبيها، وتتركه يعبث ما شاء له العبث في طراوة جسدها ونضارته، حتى تصل في لحظة من اللحظات إلى حد الجنون عندما عرفت أن هذا السارق لجسدها سوف يغادر عائداً إلى بلاده لأنه سيتزوج هناك ويؤسس أسرة.
أما نشوى الطامعة بالمال، على أنه مجد الحياة فتتزوج من رجل بعمر أبيها. لم تحبه، أحبت ماله وما بذخ به من أجلها، وعندما توفي ورثته لتحب شاباً بعمرها، استغلها واستولى على ميراثها بأساليب عدة إلى أن نفض يده منها تاركها وهي لا تملك شروى نقير، تتلفت يميناً ويساراً لتجد أنها فقدت كل شيء، وأنها ما لم تسعَ للنهوض من جديد فإنها ستخسر حياتها.
نشوى وغادة صديقتان منذ الطفولة، ويبدو من السياق أن نشوى أقوى شخصية من رفيقتها لأن غادة كلما ضاقت بها السبل تركض إلى نشوى تسألها الحل والنصيحة، بينما نشوى هي التي تحتاج لمن ينصحها. وهنا تتحول نشوى إلى عاهرة على مستوى راقٍ، أي أنها باتت تقصد الحفلات الماجنة التي تعقد وراء الستار في بيوت الأثرياء هنا وهناك لتنهش من هذا وذاك ما تستطيع إليه سبيلاً، وتكاد تجر غادة إلى هذا العالم الماجن، لولا أن الحب ينجدها من السقوط في هذه الحمأة القذرة. لكن هذا الحب كان دمارها. فهي المحبة لعملها كصحفية في جريدة المرايا تتعرف الى نائب رئيس التحرير د. صالح السعدي، الذي أعجب أول ما أعجب بتحقيقاتها الصحفية التي أثارت جدلاً فيها بين الناس لجرأتها، ولم تمضِ أشهر حتى وجدت غادة نفسها في أحضان الرجل، وفي شقته الفاخرة في قلب مدينة جدة، وفي منطقة الحمراء، شاعرية فاتنة، تطل على البحر بما يؤسر القلب والروح وهنا تقع في غرام الرجل، وهي من حيث ثقتها بنفسها لم تتردد في كشف سرها القديم بخادم البيت اليمني الأسمر الشاب الذي أخذ عفتها برضاها وبرغبة منها طالما كان هذا يسعدها كثيراً، فماذا كانت النتيجة؟ صالح السعدي الذي تعلم في الغرب وأقام علاقات مع نساء غربيات واحدة منهن أحبها وأخلصت له فطلب منها الزواج من دون أن يعترض على عدم عذريتها، التي نساء الغرب، عادة، يفقدنها وهن في أول بلوغهن ويعتبرن ذلك شطارة وكدليل على رغبة الرجال بهن. لم يعترض صالح السعدي على ذلك، واعتبر أن مثل هذا الفقد شيء طبيعي في الغرب، لكن المرأة التي أحبها هي التي اعترضت على الزواج، ما دام عليها أن تذهب معه إلى السعودية، بما تعرف من حياة مغلقة هناك وتقاليد متعسفة في معاملة المرأة. وأظن لو أتيح لها ان تتعرف على نشوى قبل اتخاذ قرارها هذا لعدلت وقبلت بالزواج من صالح.. فالحياة في المملكة كما صوّرتها لنا نشوى وما يبتذل فيها تكاد تكون أكثر انفتاحاً من حياة الغرب وخصوصاً في الدول الاسكندينافية التي تعتبر مفتوحة حتى الأفق وبدون أي حرج لكل أنواع الجنس مثلياً أو سحاقياً. وهذه الدهشة لقارئ يعرف، أن في هذه البلاد مكة والمدينة، وفي هذه الصحراء الشاسعة قام دين أول ما قام عليه مكارم الأخلاق. إذاً، يتردد صالح السعدي بالاقتران بغادة، يماطل ويسوف ويدخل معها في مناقشات تصل أحياناً إلى الاختلاف القاسي بينهما. فتتذكر غادة أحاديثها مع نشوى، وتتذكر حوار نشوى مع صديقتها فتحية التي تسألها: لماذا يدير الرجال ظهورهم للنساء بعد أن ينالوا رغباتهم منهن.
ومن دون أن يلوحوا حتى بكلمة وداع، كأن تلاحم الأجساد في لحظات الضعف البشري وصمة عار في جبين المرأة وحدها! فتجيب: لأن الرجل بطبيعته عندما تصيبه تخمة الشبع ترفض معدته الاستمرار في التهام نوعية الطعام نفسها: لا تتعبي نفسك في هذا التفكير الطفولي. حاولي أن تتعاملي مع الحياة بمنطق الواقع، أنظري دوماً الى حياتك من منطلق ما أخذت لا من منطلق ما أعطيت، وإلا فستظلين حبيسة عواطفك الساذجة، وسيحاول استغلالها كل عابر سبيل.
‘ المرايا ‘

وفي تردد صالح السعدي، ثمة فنان كاتب آخر يذهله جمال غادة ويحاول هو الآخر التقرّب منها عندما تعرف عليها في أحد المعارض الفنية، وسبق أن كتبت عنه في “المرايا” قبل أن تتعرف عليه، فيشكو لها عندما يلتقي بها متاعب المثقف: لأنه تعوّد أن يقول الحقيقة مهما كانت قاسية تم منعه من مزاولة الكتابة مرتين، وتمت كذلك مصادرة كتبه، إلا أنه ما زال يؤمن بأن دور المثقف الحقيقي هو الكشف عن عورات مجتمعه حتى يتم ترميم التصدعات والآفات التي تريد التغلغل في بنيته. وهو يعلم أنه سيذهب يوماً ولن يبقى سوى فكره. لذا لا يريد أن يدخل التاريخ من بوابته الخلفية.
وصالح السعدي، حبيب غادة، ومشجعها على الكتابة الصحفية شاعر أيضاً يقع فريسة إحدى قصائده الجريئة، فتقوم عليه القيامة، ويقاد إلى السجن، ويهدد بالجلد، ويتخلى عنه أقرب رفاقه المثقفين، ويجد أن كل الذين عرفهم تخلوا عنه ما عدا غادة التي كانت إلى جانبه بكل قوتها تشد من عزيمته وتشجّعه على المقاومة وأن لا يستسلم لغدر هؤلاء، لكنه، في ذروة يأسه، يقرر ترك البلد.. متخلياً عن غادة ومعترفاً لها أنها ستظل حبه الوحيد، لكنه يريد العودة إلى هناك إلى الغرب، إلى المرأة التي تركها ليعيش معها، ويا للمفارقة، دون أن يسألها مع من فقدت عذريتها. وتحتج غادة المسكينة: هل تريد محاسبتي على ماضٍ ليس لي ذنب فيه؟ ويردد: لا يا حبيبتي. أعلم انك كنت ضحية، لكن ساعديني لكي نتمكن من عبور هذا الحاجز. وتذكره: إنك أردت يوماً الارتباط بامرأة مرت بتجارب عديدة. وكنت تتمنى لو قبلت بك زوجاً. فيعترض: غادة.. لا تنكئي جراحي.. هذا ماضٍ ولى وانتهى. فتسأله بمرارة: لماذا غسلت أخطاءها. وترفض أن تغفر لي خطأ واحداً. وهنا تنكشف عقلية الرجل العربي ـ مهما تثقف في الغرب ـ قائلاً لها: لا أدري. ربما لأننا ننظر الى المرأة العربية على أنها مخلوق طاهر، محظور عليه تذوق طعم الخطيئة.. نعم يا غادة. نحن في دواخلنا أنانيون، بدائيون همجيون. حين يتعلق الأمر بنسائنا على اعتبار أنهن جزء لا يتجزأ من ممتلكاتنا.
تبكي غادة هنا بحرقة، يأخذها طلال في أحضانه، يطيب خاطرها ويلثم بشفتيه دموعها. وعندما تشكو أمرها الى نشوى، تصيح بها هذه: لا أعرف سر قلقك عليّ. إن حياتنا متقاربة، أنت تعطين باسم الحب، وأنا أعطي لأنني أكفر في الحب.. تفكيري منطقي.. اليس كذلك! أريد أن أؤكد لك حقيقة غائبة عن بالك. اعتقد أن كفتي سترجح في النهاية. أتدرين لماذا؟ لأن قلبي ما زال معي. أما أنت فقلبك ينزف كل يوم آلاف المرات اسمعي نصيحة صديقتك وراعي قلبك الرقيق الصادق الذي ألف العيش في قوقعة الخوف.

‘ الخروج ‘

بعد خروج طلال من السجن واعتزاله استعداداً للهرب خارج الوطن تذهب غادة لوداعه وقلبها يبكي، تحاول ثنيه عن عزمه، وهو ـ بما يمكن للرجل أن يلعب بعواطف المرأة ـ يردد على مسمعها: كنت الشعاع الذي أضاء ظلمة سجني، كلما تملكني اليأس كانت صورتك تحضرني، لحظتها فقط تتسرب الطمأنينة الى قلبي وتهدأ أوجاعي. وتلح عليه أن لا يجعل هذه الحادثة تؤثر على حياته ومستقبله. وتطلب منه أن يسقطها من ذاكرته، فيجيبها: أسقطها! بهذه السهولة: غادة هناك جرح غائر ما زال ينزف في أعماقي، أنا محبط، هل تعرفين ماذا يعني أن يخيب أملك في من كنت تأملين منهم خيراً؟! ألم تقرئي الأسماء التي هاجمتني؟! إنهم من الطبقة نفسها التي أنتمي اليها، ويقال عنها طبقة المثقفين، ما يحز في نفسي أن بعض الأقلام التي نهشت فكري، هي نفسها التي أخذت بيدها في بداياتها وساندتها لكي تأخذ فرصتها في عالم الكتابة. وعندما أصبحت لها أظافر وأنياب كنت أول ضحاياها. يوجعني قلم المثقف الذي نهش من اسمي وأدبي. ورماني في درك الغسق، ويؤلمني أكثر انني اضطررت الى تصديق المقولة الرائجة بأن المثقفين أعداء لبعضهم البعض إلخ..
ولكن مواقف صالح السعدي تدينه هو نفسه، خصوصاً في معاملة واستهلاك غادة التي أحبته وبات سيتخلى عنها لأسباب واهنة حاول اقناعها بها، هارباً منها الى غير رجعة، تاركاً لها رسالة بدائية لا تدل أبداً على ثقافته ولا على فهمه للحياة، رسالة خطابية كأنها يلقي بها من على منبر: اننا شعوب حالمة، وبمعنى أصح تعودت أن تحلم حتى نسيت من أين يبدأ حلمها وأين ينتهي، إننا في مناخ معبأ بالرياء والنفاق. القضية لا تنحصر في أرض وسماء وامتلاك بيت كبير وسيارة فارهة، هي أكبر من ذلك بكثير. إنها أمور متشعبة ومتداخلة الرؤية (…) ويوحي لغادة أن المرأة من ممتلكات الرجل، هكذا ببساطة، وهو: ليس أصعب على رجولة الرجل من أن ينتهك غريب ممتلكاته وهو مكتوف اليدين لا يملك حيال الأمر شيئاً. ويعترف: أكيد أنني في نظرك إنسان رجعي، أناني، وستقولين عبارتك المألوفة: أليس من حقنا أن نخطئ؟! أليس من حقنا أن نتذوق طعم إنسانيتنا الفطرية؟! أنا لست رجلاً مثالياً يا غادة. أنا إنسان يحمل في داخله بذرتي التملك والانانية.
لكن ما يهم غادة من هذه الرسالة وهذه التفاصيل، صالح السعدي برر لنفسه كل شيء.. ولم يبرر لها شيئاً. استهلكها على الآخر، ثم تحايل عليها بأنه هارب لأن الوطن لم يقدره. وهو في الواقع هارب من تحمل المسؤولية إزاء المرأة التي أعطته كل شيء.
هذا هو اطار الرواية، فإذا حذفنا المكان الذي قامت فوقه هذه الأحداث والزمان الذي هو الآن، ننظر الى العمل الروائي كفن، فإذا هو سرد بلغة عادية، القصد منه إثارة شهية الرجل للحصول على امرأة من هذا النوع، صحيح أنها قدمت لنا (زينب حفني) شخصيات نسائية متنوعة ـ دون النظر الى البلد الذي تقيم فيه ـ لم تستطع الغوص جيداً في مآسيهن. وقد تساءلت ـ على ما أعرف ـ من ضيق الحياة بالنسبة للمرأة السعودية ألا من موضوعات أخرى في هذا البلد تثير شهية الكتابة. ها هو تركي الحمد وعبده خال وغازي عبد الرحمن القصيبي وغيرهم الذين أعطونا أمثولات من الحياة في هذه الصحراء المقدسة مقنعة ومؤثرة، دون ما أعطتنا اياه زينب حفني من زيف يسيئ الى المرأة السعودية المغلوبة على أمرها، أم كان قصد الكاتبة لفت النظر، ولا شيء أكثر من ذلك؟!.

﴿ ” نساء عند خط الاستواء ” لزينب حفني ” ﴾


6 سبتمبر 2004 م
سلا / المغرب
محمد معتصم
( الناقد الأدبي )

  • زينب أحمد حفني صوت نسائي إبداعي من المملكة العربية السعودية يعطي الانطباع المغاير في الكتابة النمطية السائدة هنالك. إنها صوت إبداعي يدخل مغامرة الكتابة بكثير من الجرأة والعزيمة.. لقد شاع عن الكتابة في الخليج العربي وخصوصا السعودية، أنها مكبوحة، مقصوصة الجناح. لأنها لا تصل دائما إلى ما تريد قوله نظرا لكثرة الموانع والمراقبة الشديدة التي تفرضها العادات والتقاليد السياسية والاجتماعية. وكلها قوانين تتغلف بوشاح عقائدي وديني. لكن زينب أحمد حفني في روايتها “لم أعد أبكي” أو في مجموعتها القصصية “نساء على خط الاستواء” تشق هذا النمط الكتابي السائد وتبدع خطها الخاص بها وإن كلفها ذلك حكما بالتوقيف عن الكتابة لمدة عامين. ورغم خيبة آمالها في أصوات المثقفين المنافقة التي تبطن عكس ما تعلن وخصوصا عندما تقوم هذه الأصوات بالدعاية والتشهير والمحاكمة قبل أية سلطة فعلية أخرى .
  • إنه وجه آخر من وجوه المعاناة التي يتكبدها الصوت الإبداعي الجسور والمغاير لاخوار القطيع. لكن أين تكمن أهمية الكتابة عند زينب حفني ؟ وأين تكمن خصوصياتها التي تمنحها لقب المغايرة ؟

الكتابة عند زينب حفني ليست تجريبا. ولذلك عند قراءة أعمالها نراجع مواقفنا – الدارسين والنقاد- من قضية التجريب في الكتابة، ومن قضية الحداثة القسرية. فالكتابة كما تتبدى من خلال رواية زينب أحمد حفني “لم أعد أبكي” ومجموعتها القصصية “نساء على خط الاستواء” هم وقضية وطنية وأخلاقية. فالوضع الثقافي والاجتماعي والسياسي في المملكة لا يحتمل القفز عليه، وأن هناك الكثير من القضايا العالقة التي يجب استجلاؤها، وبالتالي الحفر في جوهرها لمعرفة حقيقتها وتعريتها من القشور الزائفة التي تغطيها. ولهذا فالكتابة عند زينب حفني تهتم بالدرجة الأولى بالمحتوى، وبالمقول الروائي والقصصي .

  • في روايتها “لم أعد أبكي” تقوم الكاتبة بفضح نفاق وعجز المثقف الذي لا يؤمن بمواقفه ولا يجرؤ على الدفاع عنها. وبالتالي يفضل الهروب بعيدا ليحتمي بالغربة، ويعلق قضايا التغيير والنهوض بالفكر والإبداع إلى آجال بل على أجيال قادمة في علم الغيب. كما تقوم الكاتبة بتشريح العلاقات الاجتماعية السرية. تلك العلاقات الشاذة والمسكوت عنها باتفاق عام. علاقات تسود الشقق، والاجتماعات داخل الأندية الليلية. كما تبرز الكاتبة سلطة المال والمرأة في مجتمع يظهر من الخارج انه مجتمع محافظ، ومتشدد، ومتشبث بالقيم والعادات والتقاليد. . والخلل في رواية زينب أحمد حفني يكمن في هذه المنطقة بالذات؛ أي قضية التشبث بالعادات والتقاليد والأعراف التي لا علاقة لها بالدين. بل تستغله، وتستغل جهل عامة الناس الذين لا يميزون بين الدين والعادات والتقاليد المتوارثة.
  • ولا تهمل الكاتبة في هذه الرواية الصغيرة والعميقة والجريئة التطرق للمرأة في المملكة العربية السعودية وما تعانيه من قهر، وإهانة. وتصور الكاتبة ذلك من خلال قضية الطلاق وحرمان المرأة من تحقيق استقلالها الذاتي، والمالي بالدرجة الأولى. لأن الاستقلال الذاتي يبدأ بالاستقلال المادي الذي يكفي المرأة الارتباط الكلي، بالزوج. وتقدم الكاتبة هنا صورة الأم. وقد انهارت كل قواها، واهتز مصيرها وضاع استقرارها بمجرد تخلي الزوج عنها. لكن أهم صورة لتمثيل تلك القسوة تتجلى في مصير “غادة” الطفلة، وفي إحساسها بالفراغ وبالتالي اللجوء إلى “زيد” الحارس/الخادم الذي يستغل الوضع المهتز للطفلة فيستغلها جنسيا، وتستلذ هي منه ذلك لأنها لا تجد من يهتم بها غيره. فالأب بعيد عن البيت، والأم تكابد محنتها وقسوة الوحدة، والمصير المجهول.
  • في مجموعتها القصصية “نساء عند خط الاستواء” لا تحيد الكاتبة عن الخط المستوي الذي اختارته في الرواية. فهناك الجرأة ذاتها، والتوغل في مغامر البحث في الغامض والمستور من الأمور والعلاقات الإنسانية والاجتماعية للمجتمع المحافظ. وتتعرض الكاتبة لمحنة المرأة في المجتمعات الذكورية التي لا تسمح للمرأة باختيار إيقاعاتها الخاصة. ولا تسمح لها بالتجول والاستلذاذ بالمطر. ولا تسمح لها حتى الاستلذاذ باللحظات المجنونة المسروقة من بين حبال التحريم والمنع. فالرجل الذي منحته لحظات المتعة لا ينسى مكافأتها بعدد من الأوراق النقدية. لأن الرجل لا يمكنه التفكير في أن المرأة يمكنها أن تمنح دون مقابل. لأنها في تصوره بغي مقايضة.. وتعود مجددا إلى زيف المثقف. الكاتب الذي يتبنى مواقف وقيما لا يؤمن بها بل يدعيها حتى يظهر بمظهر النبي المصلح. الكاتب الذي يطلب من الكاتبة المبتدئة أن تمارس جنونها ليس على الورق فحسب بل في الحياة كذلك. يقول النص:” –”سيدتي..لماذا تأخذين الأمور على هذا المحمل من الجد ؟ ألا تعرفين أن قضيتي الأولى في الحياة..المرأة والحب”.حدجته بدهشة قائلة:” لقد كنت أعتقد أن قضيتك الأساسية حرية الإنسان، والتزامه تجاه قضاياه..ألم تكن دوما تدعو إليها؟؟”ضحك ضحكة عالية، اخترقت رنتها قلبها، غرست فيه خنجرا من الصدمة في شخصه، أحست كأن صرحا عظيما تهدمت أعمدته في نفسها . – أنت خيالية..ولكنها على أية حال صفة مطلوبة في الأديب..سأسدي إليك نصيحة، حاولي دوما الفصل بين واقع المجتمع، وبين نفسك،..الحياة أجمل ما فيها ممارسة الجنون..مجيئك للقائي فيه شيء من الجنون..لكن ما زال عليك ممارسة الجنون نفسه..” ص(15) . وتنتهي القصة القصيرة بازدراء المثقف الذي يدعي أفكارا ومبادئ أعلى منه هامة ومقاما. إنها القضية الأهم التي تتكرر في كتابة زينب احمد حفني. وبالتالي تعد من المهيمنات في إبداعها، وموضوعات كتابتها. يضاف على ذلك قضايا أخرى مهيمنة كقضية المرأة وحريتها واستقلالها المادي الذي يكفل كرامتها، وكذلك العمل الشريف. ومن المهيمنات كذلك في الخطاب الإبداعي عند زينب حفني “الخيانة”. وتقترح الكاتبة نموذج خيانة المرأة والرجل معا.
  • تعرض الكاتبة لقضية أخرى مسكوت عنها في مجتمع محافظ متشبث بالدين، ولكنه في الحقيقة متشبث بالعادات والتقاليد. ويحمي نفسه بالتستر على العلاقات الشاذة داخل المجتمع. ويغض الطرف عن انتشار النزوع الخرافي، والمشعوذ. كما في قصة “لابد أن تغرد البلابل” حيث تكشف القصة عن معضلة تعدد الزوجات وإهمالهن، أو التخلي عنهن في مجتمع ابتلي أهله بجمع المال والسعي وراءه، على حساب المسؤوليات والأولويات التربوية والاحتياجات الضرورية. فتكشف عما يقع خلف غطاء اللقاءات والحفلات في البيوت الخاصة. ونقصد طبعا العلاقات السحاقية. تقول النص:” أحداث الحفلة أيقظت في داخلي كل الأحاسيس التي حاولت مرارا دفنها في أعماقي، جعلتني أتساءل:” هل هذا المسلك مفروض أن تطرقه المرأة إذا فشلت في علاقتها مع الجنس الآخر –والطلاق فكرة مهيمنة في الخطاب الإبداعي لدى الكاتبة – هل هذا العالم سيخرجني من سجن أحزاني، ويطفئ رغبات نفسي المتعطشة للحب..وهل تستطيع امرأة أن تكون بديلا عن الرجل في حياة المرأة..” كل هذه الأمور تزاحمت في خاطري بإلحاح”. ص (25) .
  • وفي قصة “طقوس غير شرعية” تبرز الكاتبة سيطرة التفكير الخرافي والمشعوذ. وتبرز كذلك استغلال المشعوذين لقهر الإنسان البسيط، وكذا حاجات المرأة في مجتمع محافظ، يمنع المرأة من الاستقلال الذاتي. وتحقيق التصالح مع الذات. لأن هذه الوضعية تضع المرأة رهينة الزوج، الذي ينفق وبالتالي يشترط، ويرفض أو يقبل حسب هواه، وقدراته المادية. هنا تبرز الكاتبة من خلال شخصيتها القصصية الاغتصاب الذي سيمارس عليها باسم فك دوائر النحس، واستعجال قدوم الزوج المنتظر بعد طلاق طال.
  • تبقى كتابة زينب أحمد حفني دليلا على أن الحداثة في الكتابة، أو ما عرف بالتجريب، ليست رغبة بل هي ضرورة مشروطة بسياقات ثقافية وفكرية وسياسية واجتماعية محددة. بدون الارتقاء الاجتماعي والفكري، والسياسي، لا يمكن الحديث عن كتابة تجريبية. والحداثة ليست شكلا فحسب بل الحداثة قد تكون في المضمون. فالمواضيع التي تعد متجاوزة في بعض البلدان العربية والغربية، تبدو أساسية في بلدان أخرى. وبالتالي فالحداثة زمنية، وتاريخية .

في سياق الإبداع العربي في المملكة العربية السعودية، يتميز صوت الكاتبة زينب أحمد حفني بجرأته على كشف العلاقات الاجتماعية الشاذة المسكوت عنها، والقضايا الفكرية التي تغلف بقشور سميكة من العادات والأعراف والتقاليد. واهتزاز موقف المثقف الذي يرقص على الحبلين. يهادن السلطة، ويخطب ود القارئ المتعطش للحرية، والأمل في الخلاص من دائرة التخلف…

﴿ ” قراءة في رواية ” لم أعد أبكي ” ﴾

﴿ للكاتبة – زينب حفني (1 من 2) ﴾

14 ديسمبر 2004 م
عواض شاهر
( الروائي والقاص )

أتي رواية زينب حفني ” لم أعد أبكي” محصلة لتجربتها في الكتابة الأدبية من شقين. الشق الأول خبراتي تراكمية والشق الثاني إفصاحي يتمثل في كشف المخبوء ونبش المدفون في طبقات المجتمع فكرا ومسلكاً ومثلاً ومبادئ. ويبدو أن الكاتبة يستهويها أن تؤالف بين الشعلة وقدرتها على إحراق ما يقتحم وردتها الحارقة من ناحية، وبين الخطاب المتجاسر على فتق المكنون في أعماق الشعلة أو بعبارة أخرى في أعماق الشرائح البشرية التي تنتخبها لمواضيعها. وهي شرائح من المجتمع شديدة التحسس من اختراق محرماتها من قبل غرباء سواء أكانوا بشرا عاديين، أم كانوا ذوي قدرات خاصة تمكنهم من التقاط المهم والأساس من محرماتها لتصوغها بعد ذلك في حكاية يقرؤها الجميع.
لكن،وهذا سؤال خطر في بالي أثناء قراءة العمل:
هل يوجد حدود معينة؟ ولتكن تلك الحدود تحت أسماء مثل المبدأ الأخلاقي أو احترام سرية ما تفضي إليه في العادة العلاقات الخاصة، هل هناك حدود للكشف والإخفاء في حالة وصول التناغم الإنساني بين اثنين إلى مدارج قصية تتوغل كثيراً في شخصية كل من الطرفين وأسراره وسلوكياته؟
هل دور الأديب تحديداً، في هذه الحالة، هو التشهير والتشنيع أم توظيف الحالة لصالح النوع الأدبي الحر المتجرد من الرغبات الذاتية وغريزة الانتقام والتشفي؟ ومع افتراض أن الشق الثاني من هذا السؤال هو الخيار المتوقع من لدن الكاتب أو الكاتبة فعلى أي أساس فني يمكن أن يكون؟ هل يكتب بلغة التقرير العادي الذي تعتمده الخطابات الرسمية في المرافق الحكومية على سبيل المثال، أم يكتب بلغة تعي قيمة الفن التعبيري الراقي وتحترم خيارها على هذا الأساس؟
فيما يتعلق بالشق الأول من السؤال نفسه، لو تصفحنا منتجات العقلية الغربية المؤسسة إجمالاً على الكشف والتعرية لوجدنا أن هناك من لا يأبه بما يطلق عليه الخصوصية الشخصية لدى الفرد، فكل ما وراء الأبواب مستباح، ليس فقط من لدن أناس عاديين وإنما أيضاً من قبل ما تواضع المجتمع على وصفه بالنخبة المثقفة. فهذا هو الكاتب الأمريكي الشهير نورمان ميلر يتعرض إلى سلخ غير طبيعي من زوجته أديل عبر كتاب عنوانه “الحفلة الأخيرة: مشاهد من حياتي مع نورمان ميلر” تصفه بالعنف المفرط والسكر. أما مواطنه الأمريكي سول بيلو الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1976 فإنه تعرض إلى هجوم وكيلته الأديبة السابقة هارييت واسرمان في كتابها “الوسيم ظاهرياً: مغامرات مع سول بيلو” وكانت قد ارتبطت معه بعلاقة جنسية فترة قصيرة عندما أصبحت وكيلته الأدبية، وقد وصفته بالتافه والمعوز والقلق نفسيا. بل إن الكاتب الهندي الأصل سلمان رشدي وقع مع زوجته الروائية الأمريكية ماريانا ويجينز في نفس التجريدة الفضائحية حيث اتهمته بالجبن والأنانية ثم كتبت مقالاً وصفت فيه بتفصيل علاقتها مع صديقها الجديد. هذه النماذج المنتقاة عشوائياً من منتجات العقلية الغربية تفيد أنه ليس الرجل الشرقي فحسب هو الواقع في إشكالية العلاقة الملتبسة مع المرأة وهو ما تتحدث عنه رواية “لم أعد أبكي” وإنما حتى الرجل الغربي الأكثر تمدنا وتحضرا بحسب ما تواطأت عليه الفكرة الحضارية لدى إنسان هذا العصر. لكن هل يصح أن تدرج تلك الكتابات ضمن مفهوم الأدب بمعاييره الفنية واشتراطاته التقنية ولو في أدنى مستوى مقبول؟ لا أدري ولا أستطيع أن أحكم بالإثبات أو النفي لأني لم أطلع على تلك الكتب ولكن يتعين علينا أن نتأمل الحالة متى ما تأكد لنا وقوعها داخل المفهوم الأدبي وفي جانبه السردي على نحو خاص. إذن، تبقى اللغة، في نظري، مهمة لتحديد ما هو منتج أدبي تستدعي قراءته خبرة معينة، وما هو صحافي تقريري يخلو من الفن والإمتاع. في رواية حفني هذه، تتمحور القصة حول فتاة اسمها غادة تغشى، بعد أن تكبر وتتعلم، سرادق الصحافة فتنفتح أمامها آفاق جديدة ومثيرة على المستوى المهني، وعلى المستوى الشخصي من ناحية علاقتها بزملائها ورؤسائها في الصحيفة التي تعمل فيها. من هذا المنطلق، تكون غادة، الفتاة الصحافية الذكية، ضمن أهداف الصحيفة في استثمار القدرات البشرية لصالح المهنة، وهذا هو المفترض، بيد أن البوصلة تتغير من مسار تحقيق مجد مهني يحسب للصحفية غادة، إلى مسار آخر أتقن صنعه نائب رئيس التحرير طلال السعدي، ما جعلها تنتقل من عنصر صحافي مهمته خدمة الصحيفة إلى شخص أثير عند نائب رئيس التحرير وذي وضعية خاصة.
نعم سجلت كصحافية حضورها المهني بشكل أكسبها تقديراً إدارياً وأنالها، بناء على ذلك، شهادات ثناء، لكنها لم تستثمر نجاحها في التدليل على حقها كامرأة في ممارسة عملها وتحديد خياراتها الإنسانية والموضوعية الخاصة بالمرأة و حقوقها وعلاقتها بالمجتمع والرجل والقوانين والعادات، بل نراها تقدمت في مجال آخر بخطى أسرع كثيراً من تلك التي تتطلبها مهنتها. نراها اتجهت إلى الرجل ليس ندا وإنما طرف مقابل لا بد منه لاختبار عواطفها وامتحان أنوثتها..
وهنا يمكننا التذكير بأننا لم نبرح بعد دائرة النخبة المثقفة. عليه، يجوز القول إن المكمن الطبيعي لاستدراج هذه العينة الذكورية من الشخصيات المثقفة وتخصيب حضورها من واقع نظرتها لذاتها كهبة إلهية مميزة، ومن واقع تصورها بأهميتها في الحياة، ومن واقع اعتقادها، وهذا هو المهم، بأن من حقها إرضاء غرورها وإشباع أنانيتها الفخمة، أقول إن المكمن الطبيعي لاستدراج هذا النوع من الشخصيات المثقفة لا يكون إلا من قبيل أن تقع في طريقه امرأة جميلة أولاً، وسهلة القياد ثانياً، وتعمل تحت إشرافه ثالثاً، وهذا ما توافر للسعدي نائب رئيس التحرير، الشاعر الحالم، “الكركتر” المثالي للإغواء والاستحواذ. وسيم، شاعر، في منصب مهم، وخبير في إقناع النساء، هل هناك ما هو أهم؟.
هذه الحلقة الغريبة الضاجة بادعاءات ثقافية وفكرية تقدمية، التي تزعم احترامها حقوق المرأة والنضال من أجل انتزاع مطالبها من قبضة المجتمع ذكوري النزعة، هذه الحلقة، من أول إشراقة أنثوية عند الباب، تنقلب بعض نماذجها إلى كائنات ذكورية مهمتها تبجيل الثقافة القائمة في أعماقها تجاه المرأة كحديقة خلفية لرغباتها الحسية. يصدق هذا الكلام على السعدي، كما يصدق على نخبة أخرى هي شلة الأنس السعيدة التي عاشت معها نشوى صديقة غادة. ما يعني أن الأفكار الإنسانية العظيمة التي تتأطر أحياناً بأفواه وأقلام نخبوية قد لا تدل على شيء في أرض الواقع بل قد تكون محض واجهة بلاستيكية لمتجر فارغ. وفي المقابل، من قال إن المرأة هي دائماً الكائن الرسولي لحمل رسالتها التنويرية في المجتمع؟ هناك نماذج كثيرة تحمل ما يحمله المتجر الفارغ من واجهة براقة وجمالية لافتة ولكن بلا عمق يعكس المنظر من الخارج.