المرأة وأدب الانتقام!!

المرأة وأدب الانتقام!!

المرأة وأدب الانتقام!!

الأحد 21/10/2007

 
المرأة الأديبة التي تكتب قصة أو رواية متهمة على طول الخط بأن ما تكتبه ما هو إلا انعكاس لسيرتها الذاتية! وهذا ليس مقتصراً على الأديبات العربيات، بل هي نظرة شمولية تطال حتّى الأديبات الغربيات. وقد ساهم في شيوع هذا الاعتقاد تأكيد بعض النقّاد على أن أدب المرأة ما زال بعيداً عن هموم مجتمعها. وأنه لم يخرج إلى اليوم عن دائرة البوح الداخلي. وأن المرأة تلجأ إليه لإفراغ ما في جعبتها من أسى وألم، وفي تسطير رسائل احتجاج صارخة على الظلم والاضطهاد الذي وقع عليها قروناً طويلة من مجتمعها الذكوري!.
 
عدد كبير من قرائي الذين قرؤوا رواياتي، وأغلبية الصحافيين الذين أجروا معي حوارات صحفية، يطرحون عليّ أسئلة مكررة عند كل رواية أو قصة أصدرها. هل رواياتك تُعبّر عن حياتك؟! هل فيها شيء من سيرتك الذاتيّة؟! هل فيها تصوّر لمراحل عمريّة معينة؟! هل أبطال رواياتك موجودون بالفعل أم هم من نسج خيالك؟!.
 
بلا شك أن الأديب سواء كان رجلا أم امرأة، لا يستطيع الانسلاخ عن بيئته التي يشبُّ فيها، لكن هذا لا يعني بأن ما يكتبه سرد لحياته الخاصة! فالأديب هو الأقدر على تصوير وقائع مجتمعه، وما يجري في طرقاته الخلفية، وأزقته المظلمة، مستعينا بأدواته الكتابيّة التي يملكها. وهو ما يدعم النظرية القائلة بأن الأدب هو الذي يُبيّن تطوّر فكر المجتمعات، ويُظهر علاقات الأفراد يبعضهم بعضا، ويُوضّح العادات والتقاليد القائمة في كل عصر.
 
هناك أمثلة كثيرة على ذلك، فمن يقرأ قصص”تشيكوف” الأديب الروسي الشهير الذي عاش في عهد القياصرة، سيتعرّف على الكثير من الظواهر الاجتماعية التي كانت متواجدة في ذلك الوقت. ومن يقرأ روايات نجيب محفوظ وعلى الأخص ثلاثيته، سيلمس بعينيه الأحداث التي وقعت في مصر إبان الاحتلال الإنجليزي لمصر. وقد تفوقت الكاتبة الأميركية “مرجريت ميتشل” في روايتها “ذهب مع الريح” على الكثير من الأدباء الرجال حيث برعت في تصوير المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي وقعت إبان الحرب الأهلية في أميركا بين الشمال والجنوب، وتُعتبر روايتها اليوم من الروايات الخالدة في الأدب العالمي.
 
في كتاب “الصوفية النسوية” تقول مؤلفته “كارول بي كريست” إن مجتمعات العالم ظلّت عقوداً طويلة تحتفي بالثقافة التي يحكيها الرجال، وكانت النساء يظهرن في قصص الأدباء الرجال إما كزوجات أو أخوات أو عشيقات أو ساقطات! وهو ما دفع النساء الأديبات لاحقاً إلى البحث عن حريتهن الضالة، وإثبات ذواتهن من خلال أدبهن. لذا فهي ترى بأن الأدب الذي تكتبه النساء على درجة عالية من الأهمية كونه أدبا ثوريا انتقاميا، وفيه بُعد روحي واجتماعي، ويعكس كفاح المرأة الأديبة لخلق قنوات اتصال جديدة مع العالم من حولها. كما ترى بأن أدب النساء فيه رفض صريح ومتعمّد لحياتهن الخاصة الزاخرة بكراهية الذات، ويغلب عليه إحساسهن بالاضطهاد وأنهن ضحايا للرجال، وللقيم التي شكّلت حياتهن قرونا طويلة. وأن أدب النساء يُبيّن حالة التيّقظ والصحوة على أوضاعهن، ويُولّد لديهن شعورا جديدا بأنفسهن. لكنها تعود وتؤكد بأن مساعي النساء يجب أن تهدف إلى التحرر الروحي والاجتماعي الكاملين وإلا ستكون النهاية مأساوية!.
 
أعترف بأنني لا أمارس لعبة الانتقام في حياتي بل وأجهل أصولها! لكنني ألجأ إليها من خلال قلمي الذي أمدني بطاقة هائلة لتفجير شحنات غضبي، وفتح أمامي فجوة كبيرة لتحقيق أحلامي على الورق! فعندما يخيب ظني في أناس، أشوه صورهم وأتشفّى فيهم وألعب بمقدراتهم وأضع نهايات قاتمة لحياتهم في رواياتي. وكم من شخصيات مثالية تمنيتُ أن ألتقي بنماذج منها فخلقتها واستمتعتُ بصحبتها وحاورتها وحاورتني وجعلت خاتمتها جميلة. وكم من أفراد تمنيتُ أن أراهم ناجحين لكنهم سقطوا ضحايا لظروف حياتهم القاسية، فأخذتُ بأيديهم وأريتهم ممرات آمنة يدلفوا منها إلى حيوات مضيئة.
 
إن الأديبة العربية قادرة بقلمها على أن تُسجّل بطولات حقيقية على الورق، وبقلمها الحاد تملك القدرة على أن تُقدّم إسهامات جليلة لبنات جنسها، من خلال تدوين اعتراضها على الكثير من العادات الاجتماعية المتوارثة التي أجهضت مطالبها!.
 
الأدب مهما كان جارحاً وقاسياً هو النبراس الحقيقي لتوعية الأجيال القادمة من النساء تجاه حقوقهن، لكن وعي المرأة بحقوقها وتجسيده على الصفحات لا يكفي، بل يجب توفّر دعم اجتماعي لمطالبها وإلا تلاشت هذه الحقوق ورُجم أدبها بالحجارة غير مأسوف على شبابه!.