الحياة في عصر الإدمان!

الحياة في عصر الإدمان!

الحياة في عصر الإدمان!

الأحد 10/2/2008

 
“الكابلات” الخاصة بشبكة الإنترنت التي تربط منطقة الشرق الأوسط بأوروبا انقطعت مؤخراً من دون سابق إنذار، مما أدّى إلى توّقف التعاملات البنكية وأسواق البورصة. وحصل جمود في عدد من دول العالم، جعل الناس يتبرمون من تعطّل أعمالهم ومصالحهم اليومية، نتيجة انقطاعهم عن التواصل مع العالم من حولهم.
 
كيف كان الناس يعيشون قبل ثورة الاتصالات؟! اليوم ما أن يُغادر أحدهم منزله ويكتشف في منتصف الطريق أنه ترك هاتفه الخلوي في المنزل، أو نسي شحن بطاريته، حتى يتذمّر ويتأفف ويقفل راجعاً ليجلبه. ولو جلس شخص على مكتبه ووجد أن الكمبيوتر الذي يستخدمه قد هاجمه “فيروس” أو أصابه عطل، لأحس بالهم يُطبق على أنفاسه، معلناً أن أشغاله ستتعرّض للشلل حتّى يتم إصلاحه.
 
ثورة الاتصالات المتمثلة في القنوات الفضائية والإنترنت والهواتف النقالة وغيرها من الاكتشافات التي يُفاجئنا بها العلماء كل يوم، والتي كان آخرها إعلان اليابان تصنيع “الروبوت” أوالإنسان الآلي، الذي سيأخذ قريباً مكاناً له في عيادات الأطباء وعلى شاشات التلفاز وفي المصانع وداخل البيوت، جعلت الناس مدمنين عليها، بل وباتت تتحكم في مصائرهم، وتقودهم كيفما تُريد وإلى أي جهة، دون أن يملك أحد القدرة على مقاومتها، أو الثورة عليها، أو إعلان عزوفه عن استخدامها في حياته. وأصبح الجميع لا يسير إلا بخطوة مباركة من هذه الأجهزة التي صدّأت العقول، وجمّدت قدرات الإنسان الطبيعية في التعامل بتلقائية مع الأشياء من حوله.
 
لماذا غدا إنسان اليوم مهووساً بكل جديد؟! لماذا لم يعد يقف ليلتقط أنفاسه ويُحرر نفسه من ضغوطات الحياة العصرية؟! في الغرب بدأ علماء النفس يحثون الناس على العودة إلى الحياة الفطرية، الخالية من كل منتجات المدنية الحديثة ولو لفسحة من الوقت بعيداً عن الصخب اليومي، مؤكدين أن إنسان اليوم بحاجة إلى التمرّد على طريقة حياته الروتينية التي حوّلته إلى إنسان تستهلكه ماكينة التقدّم التكنولوجي، وجعلته مطية سهلة لأمراض السكري وارتفاع ضغط الدم. وبالفعل بدأت شركات كثيرة هناك تتخصص في تنظيم رحلات منتظمة إلى الريف والصحاري والغابات، بل وتحديد دورات في تسلّق الجبال أيضاً.
 
لو قمنا باستفتاء لأناس من مختلف الأعمار، ومن أجيال متباينة، لأجاب الجميع بأنه يُفضّل العيش في الزمن الذي وُلد فيه. فالجيل الذي لم يلحق بعصر الثورة المعلوماتية، يترحم على زمانه البسيط الذي كان الإنسان فيه تُحترم آدميته. أما الأجيال الصاعدة فهي لا تتقبّل فكرة العيش في عصر أفلام الأبيض والأسود، وترفض أن ينتزع أحد من يديها أي أداة من أدوات التكنولوجيا الحديثة، بالرغم من المردودات السلبية التي صاحبت انغماسها في دوامة هذه الحياة الصاخبة.
 
أعود بذاكرتي إلى الوراء، وأتذكّر كيف كان والداي يحرصان على أن نجتمع أنا وأخوتي يوميّاً على المائدة في مواعيد الغداء والعشاء، حيثُ كانت تتخللها الأحاديث الجميلة التي كان الجميع يُشارك فيها، وذوت بين الأسر في هذا العصر، نتيجة انزواء كل فرد في غرفته مع أجهزته التي خلقت له عالماً خاصاً به.
 
وكانت أمي حينها تحرص على أن تصحبنا في عطلتنا السنوية إلى موطنها الأصلي بإحدى قرى الريف المصري. اعترف بأنني أدين بالفضل لقريتها في إخصاب خيالي، وفي إثراء روافد إبداعاتي، حيث كانت تنصب اهتماماتي وقتها في الجلوس على شاطئ النيل، ومراقبة الفلاحات وهن يتمايلن بـ”أجاصات” الماء التي يضعنها على رؤوسهن. ومنظر الفلاحين وهم يحرثون أرضهم مطلقين عقيرتهم بالغناء. ومنظر الساقية التي يدور حولها الثور لدر الماء. هذه العادة التي شببتُ عليها جعلتني أعشق الطبيعة، بل ودفعتني بين حين وآخر إلى السفر بعيداً واستنشاق عبق الحياة الطبيعية، التي بلا شك تُساعدني على التحرر من ضغوطات معيشتي اليومية.
 
هذا السخاء التكنولوجي الذي يُحيط بنا من كافة جوانب حياتنا، كانت له ظواهر سلبية عديدة، حيثُ حوّلت الفرد إلى “روبوت” بشري يُديره مفتاح الإنترنت والهاتف الخلوي و”الستالايت”، مما يستوجب منا تشغيل قدراتنا الذهنية التي وهبها لنا الخالق لنشعر بإنسانيتنا. في زمن مترف يتطلّب منا التريّض في الهواء الطلق، وإطلاق شهيق وزفير من دواخلنا، تُحسسنا بآدميتنا التي جرفها إيقاع الحياة السريع.