وداعاً مصطفى محمود

وداعاً مصطفى محمود

وداعاً مصطفى محمود

الأحد 15/11/2009

 
مضى المفكر الإسلامي مصطفى محمود إلى مثواه الأخير عن ثمانية وثمانين عاماً دون ضوضاء، كما عاش سنواته الأخيرة في الظلال، تاركا خلفه نتاجاً فكرياً غزيراً يتجاوز الستين كتاباً. وقد غاب عن جنازته كافة المثقفين العرب! ولم يمشِ فيها سوى الأهل وبعض الفقراء الذين خصص لهم رواتب شهرية في حياته.
 
هذا المشهد ليس غريباً على عالمنا العربي، فنكران إنجازات الآخرين سمة عربية مكتسبة، توارثتها الأجيال نتيجة المناخ المتقلّب الذي يعمُ عالمنا العربي منذ بداية ظهوره! وهو ما جعل مجتمعاتنا تستهتر بمبدعيها ولا تُلقي بالا لمعاناتهم، وتُعطي باستخفاف ظهورها لمثقفيها الذين أفنوا حياتهم من أجلها، ودفعوا أثمان باهظة من أجل إرساء معالم الحرية والعدل والمساواة في أوطانهم.
 
كان لمصطفى محمود أثر عميق في إثراء الثقافة العربية. وما زلتُ أتذكّر في صغري بعد قراءتي لروايته “العنكبوت”، انبهاري بها، بل واعتبرها من وجهة نظري أهم رواية علمية عربية صدرت إلى اليوم. ولا أعتقد أن هناك روائيا عربيا نجح في خوض هذا النوع من الأدب كما نجح فيه مصطفى محمود، ويعود هذا إلى تخصصه العلمي الذي ساعده على كتابة هذه الرواية الشيقة.
 
أسرة مصطفى محمود فجّرت بعد وفاته قضية بالغة الأهمية، بأن إسرائيل قامت في سبعينيات القرن الماضي بالضغط على القيادة المصرية لوقف برنامجه الشهير “العلم والإيمان”. كما مارست ضغوطا قوية لمنع نشر مقالاته! إضافة إلى تدخّل الأزهر المتكرر في حذف مقاطع من حلقات برنامجه، أثارت حينها موضوعاتها الكثير من الجدل الفكري.
 
هذه الواقعة التي كانت سبباً قوياً في انتكاسة صحة مصطفى محمود كما تؤكد أسرته، تُعيد إلى الأضواء قضية بالغة الأهمية.. هل من حق المجتمع أن يُقاضي المبدع على ما يقوله، وينصب له طوال الوقت محكمة وقاضيا وشهودا؟! هل من حق الحكومات مُصادرة حق المفكر في التعبير عن آرائه وإشاعتها بين الناس؟! هل من واجب المؤسسة الدينية قفل باب الاجتهاد، ومنع المفكر من إعلان آرائه تجاه السلبيات الواقعة داخل مجتمعه؟!
 
للأسف تاريخنا استبدادي ظالم، يزخر بكافة أساليب كبت الحريات! ونجد أن الحكومات تمرّست في قمع المفكرين والأدباء المخالفين لسياساتها! بل واعتادت على إعدام الكتب على اختلافها في الميادين العامة لفاعليتها في توعية الأفراد داخل المجتمعات! ولهذا نحن قابعون في مؤخرة الصفوف، نزداد تقوقعاً والغرب يزداد انفتاحاً، حتّى أصبحت المسافة بيننا وبينه بالغة الاتساع!
 
لقد طالب عدد من الكتّاب بإعادة بث حلقات برنامج “العلم والإيمان” لأهميتها، كي تتعرّف الأجيال الصاعدة على أفكار مصطفى محمود وتستفيد من مضامينها. وإعادة طباعة كتبه المهمة مثل “رحلتي من الشك إلى الإيمان” و “حواري مع صديقي الملحد” حتّى يُعاد الاعتبار لرجل تذوّق طعم الجحود ونكران الجميل في حياته، وأصبح نسياً منسياً بالرغم من كل ما قدمه من أعمال جادة، وتأثّر جيل كامل بأفكاره.
 
مفكر قام ذات يوم بمزج العلم بالإيمان، ونادى بوجوب احترام عقل الإنسان، ولم يُهمل دوره الفعّال في تطوير فكر البشرية، كما يتشبّث أغلبية علماء ومشايخ الدين اليوم ببرمجة العقل على قائمة من الفتاوى، ويحلّون ضيوفاً على كافة القنوات الفضائيّة والأرضية، وباتوا عاملاً مباشراً في تراجعنا الحضاري وتخلفنا الفكري!