الاستنساخ… واقع أم خيال؟!

الاستنساخ… واقع أم خيال؟!

الاستنساخ… واقع أم خيال؟!

الجمعة 28/4/2006

 
حبست أنفاسي وأنا أتابع بفضول كبير الفيلم الأميركي “الجزيرة”. لم يكن فيلماً مرعباً وإنما كان فيلماً علميّاً ممزوجاً بالإثارة الهوليودية المعروفة بصخب إيقاعاتها. والفيلم تنصبُّ فكرته في الاستنساخ، على شاكلة النعجة “دولّي” التي فتحت شهية العلماء للقيام بالمزيد من الأبحاث والتجارب، حيثُ تدور مشاهده حول استنساخ البشر.
 
الفيلم يبعث رسالة خطيرة، وأحداثه تقع بعد عقدين من الآن، يُبيّن أن الإنسان بإمكانه شراء بوليصة تأمين على حياته، لكن ليس بالشكل المتعارف عليه في مكاتب التأمين، وإنما يذهب المشتري إلى معمل خاص ويطلب أخذ جينات حية منه لاستنساخ مخلوق بشري يكون تحت إمرته وتصرفه، باستقطاع أي جزء من أجزائه عند الضرورة، كتعرضه لعاهة أو مرض أو حدوث خلل في جسده مع بلوغه مرحلة الشيخوخة، فيستبدلها بأخرى نشطة من بوليصة تأمينه البشرية.
 
هل من الممكن أن يأتي يوم نجد أعضاء الإنسان تُباع في سوق مخصص لها، يرتاده الناس لشراء قلب يافع، أو كلية سليمة، أو رئة نظيفة؟! إن الإنجازات المذهلة التي يفاجئنا بها العلماء كل يوم تجعلنا لا نندهش إذا تحوّل هذا الفيلم الخيالي إلى واقع في يوم من الأيام، فلم يكن الناس يحلمون بالوصول إلى القمر، ولا بركوب الطائرة، ولا باستخدام شيء اسمه الإنترنت، بل لم تدر في ذهنهم يوماً كلمة استنساخ، حتّى فجّر العلماء إنجازهم أمام الملأ، قائلين بفخر إن عصر الأمراض المزمنة قد قارب على الانقراض.
 
مع كل هذه الإنجازات العظيمة لخدمة البشرية، إلا أن الفقر والمجاعة تتفاقم في العديد من مناطق العالم، والحروب تفتك بملايين البشر، والعنف يتزايد يوماً بعد يوم، والعصابات التي تُتاجر بالأعضاء البشرية ترتفع أسهمها يوماً بعد يوم. فهل هذا يعني أن تمرّغ البشرية في جنة التقدّم العلمي، سلب الإنسان أمنه وراحة باله؟! هل هذا يعني أن العلم والإنسانية خطّان متوازيان من الصعب أن يلتقيا؟! هل العصر المادي الذي يحيا فيه إنسان اليوم، حوّله إلى آلة تدور في طاحونة مطالبه اليومية من أجل توفير لقمة العيش، مما ساهم في القضاء على روحانيته، وأدّى إلى انتشار أمراض القلب والضغط والسكر، نتيجة لهذه الضغوطات؟! هل هذا الكلام مبالغ فيه من حيث المنطق، كون كل شيء في الحياة لابد أن يكون له ثمن، وأن من غير الممكن أن يتمتّع الإنسان بكل هذه الإنجازات دون أن يتنازل عن شيء من آدميته؟!.
 
يُقال عن بلد كالصين، والتي يتجاوز عدد سكانها المليار نسمة، إنها كما نجحت في اكتساح الأسواق العالمية ببضائعها الرخيصة، نتيجة لتوفّر العمالة الضخمة فيها، أصبحت تُسيطر حالياً على سوق الأعضاء البشرية وبأسعار زهيدة أيضاً، وإن هناك مواقع إلكترونية لمراكز طبّية صينية تعلن عن إمكانيتها تجهيز العضو المطلوب في أقل من شهر مع عروض أسعار مغرية، وذلك من خلال بيع أعضاء المساجين المحكوم عليهم بالإعدام، وهو ما أثارته منظمة العفو الدولية، على أساس أن الأعضاء حق من حقوق المسجون حتّى لو كان محكوماً عليه بالإعدام.
 
قرأت تقريراً نشرته جريدة “الشرق الأوسط”، يُبيّن أن تجارة الأعضاء البشرية صارت تنافس تجارة الرقيق الأبيض في العالم، وأن دولة كالهند يتهافت فيها الفقراء على بيع واحدة من كليتهم، والتي يُعادل ثمنها راتب سنة كاملة!!.
 
يظهر أننا اليوم بحاجة إلى تدريس مادة نسميها احترام الآدمية، في زمن أصبح الإنسان أرخص من قيمة تلفاز موضوع بغرفة الجلوس، أو من ثمن ثوب معروض في فترينة محل!!.