تلك هي مصيبتنا!!

تلك هي مصيبتنا!!

تلك هي مصيبتنا!!

الأحد 3/5/2009

 
أعجبني تعليق للمفكر العربي الليبرالي “طارق حِجّي” في تعليق له مُتلفز على فوز “باراك أوباما” بكرسي الرئاسة، بأنه إنجاز ساحق للثقافة الأميركية وليس لأوباما. وأنه لا يتصوّر أن يحدث هذا الإنجاز في أوروبا بالعصر الحالي، حيث لم تزل المجتمعات الأوروبية تنظر بتعالٍ إلى الشعوب الأخرى، ولم يزل يربض تحت جلدها التعصب العرقي!
 
مع تأييدي الكامل لرأي الدكتور حِجّي، إلا أن الخبر الذي تناقلته وكالات الأنباء مؤخراً عن تعيين السياسي “أحمد أبو طالب” عمدة لمدينة روتردام عاصمة هولندا الاقتصادية، والتي تُعتبر من أغنى مدن العالم، ليُصبح بذلك أول عربي مسلم يشغل هذا المنصب في مدينة أوروبية، يعدُّ إنجازاً حضاريّاً لهولندا.
 
من وجهة نظري أن هذا التعيين له مرمى بعيد! فهو يهدف إلى طمأنة المهاجرين من العرب والمسلمين على مستقبل أبنائهم، خاصة بعد حادثة مقتل المخرج السينمائي “فان جوخ” على يد متطرّف من أصل مغربي. ومن جهة ثانية لامتصاص غضب المسلمين بعد أن أثار فيلم “فتنة” حفيظتهم، كون مضمونه قد تعرّض لشخص الرسول محمد وأُسيء فيه لأحكام القرآن.
 
هولندا التي تمدُّ يدها اليوم للمصالحة بتعيين رجل عربي مسلم في هذا المنصب، وهو في الأصل ابن مهاجر مغربي قَدِم إلى هولندا بصحبة والده قبل أكثر من ثلاثة عقود، تبعث رسالة للعرب والمسلمين بأنها لا تُضمر لهم ضغينة، ولا تحمل تجاههم تعصبّاً عرقيّاً، بل فيها نداء صريح للتعايش المشترك الخالي من التعصّب العرقي.
 
بلا شك أن مهمة “أحمد أبو طالب ليست بالهيّنة، فهو يُراهن على حصان لا يعلم أحد مدى رجحان فوزه في السبق! وهو بالتأكيد موقف صعب له ولأبناء المهاجرين من أمثاله، يجب أن يُثبتوا من خلال أفعالهم الحياتيّة وتصرفاتهم الشخصيّة، انتماءهم الحقيقي للبلد الذي شبّوا فيه واحترام قوانينه والتمسّك بثقافاته.
 
في حوار له مع أول صحيفة عربية يقول بأنه سعيد وفخور بتشبيه الصحافة والناس له بالرئيس الأميركي “باراك أوباما”، من حيث أن كلا منهما من أصول أفريقية مسلمة، وأن تنصيبهما يعدُّ سابقة من نوعها في بلديهما، بجانب انتماء كليهما للتيار الاجتماعي الديمقراطي.
 
سئل حول ما سيقوم بتقديمه للأقلية العربية والمسلمة التي تعيش في مدينته. فأجاب بأن نسبة تعليم المسلمين في روتردام هي الأفضل هولنديّاً وأوروبيّاً، وهو السبيل لتغيير واقع أبناء المهاجرين اجتماعيّاً واقتصاديّاً وثقافيّاً.
 
ويرى أحمد أبو طالب، أن هولندا هي أفضل مكان لإقامة حوار هادئ بين العالمين الاسلامي والغربي، بدليل أن هولندا سمحت للمسلمين ببناء مساجدهم، وموّلت تعليمهم الديني، ولم تفرض قيودا على ممارسة عقائدهم.
 
إن بداية الديمقراطية الحقيقية تكمن في احترام كل فرد لحريات الآخرين، وعدم فرض معتقداته على الغير، وتلك هي مصيبتنا! فأغلبية مجتمعاتنا العربية تُسيطر على أفرادها ثقافة الرأي الواحد! وما زالت العقلية العربية ترفض فكرة التعايش المشترك! وما زالت تُصرُّ على استحقار المذاهب الأخرى! وما زالت ترفض الاعتراف بحق كافة المذاهب والطوائف في ممارسة شعائرها بحرية، هذا إذا لم تكن تدعو إلى تكفيرها في السر والعلن!
 
بعض الحكومات العربية لا تقلُّ تعصّباً عن شعوبها، فترفض تعيين طوائف ومذاهب معينة في برلماناتها، وتمتنع بشدة عن تمكينها من الحصول على كرسي وزارة، ولا تُعطيها الحق في تمثيل طائفتها بالمجالس البلدية.
 
نعم أوروبا تنظر بفوقيّة لعالمنا، وحكومات الاستعمار أيديها مُلطخة بهباب الجرائم التي ارتكبوها على أرضنا في الماضي، والتي لم تزل آثارها محفورة في تاريخ نضالنا، لكنها عادت وأعلنت توبتها وقدّمت لنا الكثير من الانجازات العظيمة والخدمات الجليلة لتُكفّر عن أخطاء الماضي.
 
في حقيقة الأمر مجتمعاتنا تتغلّب عليها في عنصريتها، وصار فينا من يُحاول فرض آرائه المتطرفة داخل مجتمعاتها، بل وبلغت الوقاحة بالبعض إلى مطالبتها وببراءة مصطنعة أن تعود إلى رشدها وتنهل من بحور ثقافتنا الدينية وتسير على نهجنا!
 
إن البصمات الجميلة التي تحاول بها أوروبا اليوم عقد مصالحات تاريخيّة مع شعوبنا يجب أن نغتنمها، وأن تستثمرها بالترويج لإسلامنا الحقيقي تطبيقاً لا قولا، بعد أن غدونا في نظر مجتمعات الغرب شعوبا تستعذب إراقة الدماء ولا تحيا إلاّ بالعنف.